ابن عربي
22
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
حذيفة ، احفظ بقلبك ، وانظر بعينيك ، واعقد بيديك ، إذا ضيّعت أمتي الصلاة ، واتّبعت الشهوات ، وكثرت الخيانات ، وقلّت الأمانات ، وشربوا القهوات ، وأظلم الهوى ، وغار الماء ، وأغبرت الأفق ، وخيفت الطريق ، وتشاتم الناس وفسدوا ، وفجرت الباعة ، ورفضت القناعة ، وساءت الظنون ، وتلاشت السنون ، وكثرت الأشجار ، وقلّت الثمار ، وغلت الأسعار ، وكثرت الرياح ، وتبينت الأشراط ، وظهر اللواط ، واستحسنوا الخلف ، وضاقت المكاسب ، وقلّت المطالب ، واستمروا بالهوى ، وتفاكهوا بينهم بشتيمة الآباء والأمهات ، وأكل الرّبا ، وفشا الزنا ، وقلّ الرضا ، واستعملوا السفهاء ، وكثرت الخيانة ، وقلّت الأمانة ، وزكى كل امرئ نفسه وعمله ، واشتهر كل جاهل بجهله ، وزخرفت جدران الدور ، ورفع بناء القصور ، وصار الباطل حقا ، والكذب صدقا ، والصحة عجزا ، واللؤم عقلا ، والضلالة هدى ، والبيان عمى ، والصمت بلاهة ، والعلم جهالة ، وكثرت الآيات ، وتتابعت العلامات ، وتراجموا بالظنون ، ودارت على الناس رحى المنون ، وعميت القلوب وغلب المنكر المعروف ، وذهب التواصل ، وكثرت التجارات ، واستحسنوا البطالات ، وتهادوا أنفسهم بالشهوات ، وتهاونوا بالمعضلات ، وركبوا جلود النمور ، وأكلوا المأثور ، ولبسوا الحبور ، وآثروا الدنيا على الآخرة ، وذهبت الرحمة من القلوب ، وعمّ الفساد ، واتخذوا كتاب اللّه لعبا ، ومال اللّه دولا ، واستحلوا الخمر بالنبيذ ، والنّجش بالزكاة ، والرّبا بالبيع ، والحكم بالرشا ، وتكافأ الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، وصارت المباهاة في المعصية ، والكبر في القلوب ، والجور في السلاطين ، والسفاهة في سائر الناس ، فعند ذلك لا يسلم إلى ذي دين دينه إلا من فرّ بدينه من شاهق إلى شاهق ، ومن واد إلى واد ، وذهب الإسلام حتى لا يبقى إلا اسمه ، واندرس القرآن من القلوب حتى لا يبقى إلا رسمه ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيّهم ، لا يعلمون بما فيه من وعد ربهم ووعيده وتحذيره وتنذيره وناسخه ومنسوخه ، فعند ذلك تكون مساجدهم عامرة ، وقلوبهم خاربة من الإيمان ، علماؤهم شر خلق اللّه على وجه الأرض ، منهم بدت الفتنة وإليهم تعود ، ويذهب الخير وأهله ، ويبقى الشر وأهله ، ويصير الناس بحيث لا يعبأ اللّه بشيء من أعمالهم ، قد حبب إليهم الدينار والدرهم ، حتى أن الغني ليحدّث نفسه بالفقر » . ثم ذكر حديث خراب الأرض في باقي الحديث ، وقد ذكرناه في هذا الكتاب . رؤيا سهل بن عبد اللّه التستري حدثنا محمد بن قاسم بن عبد الرحمن بمدينة فاس ، قال : رويت فيما رويت أن